ابن كثير

170

البداية والنهاية

الهادي . ولي الخلافة في محرم سنة تسع وستين ومائة . ومات في النصف من ربيع الأول أو الآخر سنة سبعين ومائة ، وله من العمر ثلاث ، وقيل أربع ، وقيل ست وعشرون سنة ، والصحيح الأول ، ويقال إنه لم يل الخلافة أحد قبله في سنه ، وكان حسنا جميلا طويلا ، أبيض ، وكان قوي البأس يثب على الدابة وعليه درعان ، وكان أبوه يسميه ريحانتي . ذكر عيسى بن دأب قال : كنت يوما عند الهادي إذ جئ بطست فيه رأس جاريتين قد ذبحا وقطعا ، لم أر أحسن صورا منهما ، ولا مثل شعورهما ، وفي شعورهما اللآلئ والجواهر منضدة ، ولا رأيت مثل طيب ريحهما . فقال لنا الخليفة : أتدرون ما شأن هاتين ؟ قلت : لا . فقال : إنه ذكر أنه تركب إحداهما الأخرى يفعلان الفاحشة ، فأمرت الخادم فرصدهما ثم جاءني فقال : إنهما مجتمعتان ، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد وهما على الفاحشة ، فأمرت بحز رقابهما . ثم أمر برفع رؤوسهما من بين يديه ورجع إلى حديثه الأول كأنه لم يصنع شيئا . وكان شهما خبيرا بالملك كريما ، ومن كلامه : ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني ، والعفو عن الزلات ، ليقل الطمع عن الملك . وغضب يوما على رجل فاسترضى عنه فرضي ، فشرع الرجل يعتذر فقال الهادي : إن الرضا كفاك مؤنة الاعتذار . وعزى رجلا في ولده فقال له : سرك وهو عدو وفتنة ، وساءك وهو صلاة ورحمة . وروى الزبير بن بكار أن مروان بن أبي حفصة أنشد الهادي قصيدة له منها قوله : تشابه يوما بأسه ونواله * فما أحد يدري لأيهما الفضل فقال له الهادي : أيما أحب إليك ؟ ثلاثون ألفا معجلة أو مائة ألف تدور في الدواوين ؟ فقال : يا أمير المؤمنين أو أحسن من ذلك ؟ قال : وما هو ؟ قال : تكون ألفا معجلة ومائة ألف تدور بالدواوين . فقال الهادي : أو أحسن من ذلك ، نعجل الجميع لك . فأمر له بمائة ألف وثلاثين ألفا معجلة . قال الخطيب البغدادي : حدثني الأزهري ثنا سهل بن أحمد الديباجي ، ثنا الصولي ، ثنا الغلابي ، حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي المكي ، حدثني المطلب بن عكاشة المزني قال : قدمنا على أبي محمد الهادي شهودا على رجل منا أنه شتم قريشا وتخطى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء أهل زمانه ومن كان بالحضرة على بابه ، وأحضر الرجل وأحضرنا فشهدنا عليه بما سمعنا منه . فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه ثم قال : إني سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور ، عن أبيه علي بن عبد الله بن عباس قال : من أهان قريشا أهانه الله ، وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أذيت قريشا حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أضربوا عنقه . فما برحنا حتى قتل . توفي الهادي من ربيع الأول من هذه السنة ، وصلى عليه أخوه هارون ، ودفن في قصر بناه وسماه الأبيض بعيساباذ من الجانب الشرقي من بغداد ، وكان له من الولد تسعة ، سبعة ذكور وابنتان ، فالذكور جعفر ، وعباس ، وعبد الله ، وإسحاق ، وإسماعيل ، وسليمان ، وموسى الأعمى ، الذي ولد بعد وفاته فسمي باسم أبيه . والبنتان هما أم عيسى التي تزوجها المأمون ، وأم العباس تلقب توبة ( 1 ) .

--> ( 1 ) في ابن الأثير 6 / 101 : نونة .